ابن الجوزي

33

كتاب ذم الهوى

بأي شيء أدركت هذه المنزلة ؟ قال : بيسير من الدنيا ، فطمت نفسي عن الشهوات ، وكففت لساني عما لا يعنيني ، ورغبت فيما دعاني إليه ، ولزمت الصمت ، فإن أقسمت على اللّه أبرّ قسمي ، وإن سألته أعطاني . أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا حمد بن أحمد الحداد ، قال : أنبأنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر ، قال : حدثنا عبد اللّه بن محمد بن الحجاج ، قال : حدثنا محمد بن علي بن خلف ، قال : حدثنا زهير بن عباد ، قال : حدثنا منصور بن عمار ، قال : قال سليمان بن داود : الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح المدينة وحده . أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي ، قال : أنبأنا علي بن أبي صادق الحيري ، قال : أنبأنا أبو عبد اللّه بن باكويه الشيرازي ، قال : أخبرني أبو يعقوب الخراط ، قال : أنبأنا أبو محمد الغوطي ، قال : أخبرني عثمان بن علي الكشي ، قال : أخبرني نبهان بن المغلس ، قال : أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي ، قال : كنت في المركب فكسر بنا ، فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب ، فمكثنا سبعة أيام ، فقالت المرأة : أنا عطشى . فسألت اللّه تعالى أن يسقيها ، فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلّق فيه ماء ، فشربت . فرفعت رأسي أنظر السلسلة ، فرأيت رجلا جالسا في الهواء متربّعا ، فقلت : من أنت ؟ قال : من الإنس ، قلت : فما الذي بلّغك هذه المنزلة ؟ . قال : آثرت مراد اللّه على هواي فأجلسني كما تراني . أخبرنا أبو القاسم الحريري ، عن أبي طالب العشاري ، قال : حدثنا مبادر بن عبيد اللّه الصوفي ، قال : سمعت بعض أصحابنا يقول : رأيت غرفة في الهواء وفيها رجل ، فسألته عن حاله التي بلّغته إلى تلك المنزلة ، فقال : تركت الهوى فأدخلت في الهوا « 1 » .

--> ( 1 ) تحمل تلك القصص على الرمزية . وكان الأولى بابن الجوزي رحمه اللّه أن لا يكترث لها -